من ماتريكس الكلمات إلى مختبر السنن: لماذا يحتاج التدبر القرءاني إلى العلوم المادية؟
ينتابني عجب شديد من أن معارك التدبر في فضاء الوعي العربي، سواء قادها التراثيون أو المتنورون، ما زالت تُخاض بأدوات لسانية وتاريخية بحتة؛ فالتجديد عند كثيرين لم يتجاوز استبدال قاموس قديم بآخر حديث، أو استبدال رواية موروثة برواية جديدة، أو إعادة تدوير الخلافات حول معاني الجذور والمفردات. وكأن فهم القرءان قد اختُزل في معركة لغوية لا تنتهي، بينما غابت تماماً أدوات العلم المادي والفيزيائي عن مختبر التدبر القرءاني.
إن اللسانيات ضرورية لفهم النص، ولا يمكن الاستغناء عنها، فهي تحدد حدود الدلالة الممكنة للألفاظ وتساعدنا على فهم بنية الخطاب القرءاني. لكنها ليست نهاية الطريق، بل بدايته فقط. فاللفظ يفتح الباب، أما الكون فهو الذي يسمح لنا باختبار الفهم والاقتراب من السنن التي يشير إليها النص.
إن القرءان العظيم يصرخ في آياته ببروتوكولات مادية صارمة:
أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلْءَاخِرَةَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
وَفِى ٱلْأَرْضِ ءَايَٰتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفِىٓ أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ
قُلِ ٱنظُرُوا۟ مَاذَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا تُغْنِى ٱلْءَايَٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ
هذه الأوامر ليست دعوة إلى تأمل شاعري كسول، وليست دعوة إلى البحث في كتب الأقدمين وكأن المعرفة البشرية توقفت قبل ألف عام. إنها أمر تكليفي بالنظر والبحث والمشاهدة والتجريب، باستخدام الجيولوجيا، والأركيولوجيا، وعلم الأحياء، والفيزياء، والفلك، والرياضيات، وكل أدوات العلم الحديثة لفهم الآيات المنظورة في الكون.
إن القرءان لم يطلب منا أن نغلق أعيننا عن الواقع لنعيش في متاهة الجدل النظري، بل طلب منا أن نقرأ كتابين معاً: كتاب الوحي وكتاب الكون. وكلما اتسعت قراءتنا للكون اتسعت قدرتنا على فهم إشارات الوحي.
وهنا تكمن المفارقة التاريخية الصادمة.
فالعلوم الحديثة التي يستند إليها العالم اليوم لم تنشأ من فراغ، بل تأسست بنيتها التحتية على يد علماء مسلمين تشربوا هذه الروح القرءانية التي ترى في الكون ميداناً للبحث والاكتشاف. فقد وضع الخوارزمي أسس الجبر والخوارزميات، وطور العلماء المسلمون الأرقام والصفر، وأسّس جابر بن حيان المنهج الكيميائي التجريبي، وأرسى ابن الهيثم قواعد المنهج العلمي القائم على الملاحظة والاختبار، وقدم ابن سينا إسهامات هائلة في الطب.
لم يكن هؤلاء رجال جدل لغوي فحسب، بل كانوا رجال معمل ومرصد وتجربة. لم يكتفوا بتأمل النصوص، بل اقتحموا الطبيعة نفسها، وسألوا الأسئلة الصعبة، واختبروا الفرضيات، وغيّروا فهم الإنسان للعالم.
ثم حدث شيء ما.
تحولت الأمة تدريجياً من أمة تنتج المعرفة إلى أمة تستهلكها، ومن أمة تبني المراصد وبيوت الحكمة والمستشفيات إلى أمة تكتفي بشرح الشروح والحواشي، وتقديس المرويات، وإعادة تدوير الخلافات القديمة. حدث انفصال بين النص والكون، وبين الوحي والسنن المادية.
وهذا الانفصال أفرز لنا في عصرنا الحالي ظاهرة كاريكاتورية غريبة؛ إذ خرج علينا أناس يتحدثون بثقة مذهلة في أعقد علوم الفضاء والكونيات والجيولوجيا والفيزياء، وهم لا يملكون الحد الأدنى من أدوات البحث العلمي. يطرحون نظريات خرقاء لا يمكن إخضاعها لأي اختبار أو تجربة، ويهاجمون العلوم الحديثة من هواتف ذكية وأجهزة حاسوب وأنظمة ملاحة فضائية هي نفسها ثمرة تلك العلوم التي ينكرونها.
والفيصل القاتل هنا هو البرهان التطبيقي.
فالفيزياء لا تجامل أحداً، والكيمياء لا تخضع للرغبات، والهندسة لا تعبأ بالشعارات. النظرية الصحيحة يجب أن تستطيع تفسير الواقع أو إنتاج تطبيق عملي أو التنبؤ بنتائج قابلة للاختبار. أما الأفكار التي لا يمكن إخضاعها للبرهان التجريبي فتبقى مجرد ادعاءات مهما كان أصحابها واثقين منها.
لكن ينبغي في الوقت نفسه أن نحذر من خطأ آخر لا يقل خطورة، وهو تحويل القرءان إلى كتاب فيزياء أو بيولوجيا أو البحث المحموم عن "إعجاز علمي" في كل آية. فالقرءان ليس كتاباً مدرسياً في العلوم الطبيعية، كما أن النظريات العلمية نفسها تتطور وتتغير مع الزمن.
إن وظيفة القرءان ليست أن يعطينا معادلات جاهزة، بل أن يوقظ فينا المنهج؛ منهج السؤال، والنظر، والبحث، واكتشاف السنن. إنه يدفع الإنسان إلى اقتحام الكون بعقله لا إلى الهروب منه.
فاللسانيات تفك شفرة اللفظ، لكن العلوم المادية هي التي تختبر فهمنا للواقع وتكشف لنا جانباً من السنن التي أودعها الله في خلقه. ولن يتحرر العقل العربي ما دام حبيس "ماتريكس الكلمات" وصراعات المعاني المجردة، وما دام ينظر إلى المختبر والمرصد ومراكز البحث على أنها أمور هامشية لا علاقة لها بالتدبر.
إن الله لا يُعبد بالجهل بقوانين كونه، والقرءان سيظل نظاماً مشفراً إلى حد بعيد ما لم تقم الفيزياء والرياضيات والبيولوجيا والجيولوجيا وبقية العلوم بدورها في قراءة الآيات المنظورة.
ولو أردنا حقاً أن نستفيد من الماضي، فعلينا أن نتعلم من النهضة العلمية التي قامت في الشرق الإسلامي ثم ازدهرت في الأندلس؛ نتعلم منهم كيف اقتحموا ميادين المعرفة، وكيف جمعوا بين الإيمان والعقل والتجربة، وكيف فهموا أن النظر في الكون ليس ترفاً فكرياً بل عبادة.
يأمر القرءان كل امرئ منا بالقراءة، والقراءة هنا ليست قراءة السطور فقط، بل قراءة الكتابين معاً: كتاب الوحي وكتاب الكون.
فكلما تقدم الإنسان في فهم قوانين الخلق، ازداد إدراكاً لعظمة الخالق، وكلما هجر ميادين العلم، تحول الدين عنده إلى جدل لغوي وصراعات ميتافيزيقية عقيمة.
وربما كان أحد أكبر أسباب تأخرنا الحضاري أننا توقفنا عن قراءة أحد الكتابين، واكتفينا بالجدال حول حروف الكتاب الآخر.
انظروا كيف لجأ عرب الجزيرة لترامب ودفعوا له المليارات ولو كانوا دفعوها في قراءة كتاب الكون لما احتاجوا لترامب وأعوانه من شياطين الإنس ولكنها سنة الله :
وَإِن تَتَوَلَّوْا۟ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓا۟ أَمْثَٰلَكُم
💬 التعليقات (0)