الوحي: نظامُ التوجيه الإلهي. من سلسلة: القرآن نسيجًا – قراءة في هندسة المفاهيم
اعتاد الوعي الديني الشائع أن يفهم الوحي بوصفه الخطاب الذي يتلقاه الأنبياء من الله ليبلغوه إلى الناس. وهذا الفهم ليس خطأ في ذاته، لكنه يختزل المفهوم القرآني في صورة واحدة من صوره، بينما يكشف استقراء السياقات القرآنية أن استعمال هذا اللفظ أوسع بكثير من ذلك.
فالقرآن يتحدث عن وحيٍ إلى السماء ينظم أمرها داخل بنية الكون، كما في قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ سورة فصلت: الآية 12. ويتحدث عن وحيٍ إلى الكائنات الحية يوجّه سلوكها ويهديها إلى ما تقوم به في نظام الحياة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾سورة النحل: الآية 68.
كما يتحدث عن وحيٍ إلى إنسان في ظرف خاص لحفظ حياة أو توجيه فعل في لحظة حاسمة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾سورة القصص: الآية 7. ثم يتحدث عن وحي الأنبياء الذي يحمل رسالة الهداية للبشر، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾سورة النساء: الآية 163. بل إن القرآن يكشف أيضًا عن إيحاءٍ مضاد يجري بين شياطين الإنس والجن، كما في قوله تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾سورة الأنعام: الآية 112.
وأمام هذا التنوع في السياقات يبرز سؤال أساسي: كيف يمكن للفظ واحد أن يجمع بين هذه الاستعمالات المختلفة؟ إن الرجوع إلى السياقات القرآنية يكشف أن الجذر (و ح ي) يدل في أصله على إلقاءٍ توجيهي تتعدد صوره بحسب مصدره وطبيعة المتلقي. غير أن هذا الكتاب، حين يسعى إلى تعريف مفهوم الوحي، لا يقصد جميع هذه الصور، بل يقصد تحديدًا الوحي الإلهي الذي يُوجَّه إلى الأنبياء، لأنه المصدر الذي يحمل هداية الله للإنسان.
ومن خلال تحليل السياقات القرآنية يتبين أن هذا الوحي ليس مجرد كلمات تُتلى، بل يحمل وظيفة أعمق بكثير في حياة الإنسان. فالوحي في هذا المعنى هو نظامُ التوجيه الإلهي الذي يهدي الإنسان إلى إقامة فعله في ميزان الحق، ويكشف له الطريق الذي ينسجم مع السنن التي أقامها الله في الكون والحياة.
ومن هنا يظهر أن الإنسان لا يعيش في فراغ توجيهي. فإذا أعرض عن الوحي لم يبق بلا مرجعية، بل ينتقل إلى مرجعية أخرى هي الهوى. غير أن هذا الهوى لا ينشأ من النفس وحدها، بل قد يتغذى كذلك بإيحاء الشياطين الذين يزينون الباطل ويغذّون ميول النفس إليه. ولهذا يكشف القرآن أن التقابل الحقيقي في حياة الإنسان ليس بين الوحي والضلال مباشرة، بل بين الوحي والهوى. قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾سورة القصص: الآية 50، وقال أيضًا: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾سورة الأنعام: الآية 112.
ومن هنا يتبين أن مسار الانحراف في القرآن يتشكل من تفاعل هوى النفس مع إيحاء الشياطين، في مقابل الوحي الذي يهدي الإنسان إلى الحق.
ومن خلال هذا الفهم يتضح أن الوحي لا يقدم مجرد معلومات عن العالم، بل يحدد الاتجاه الذي ينبغي أن يسير فيه الإنسان، ويقوّم مسار فعله حين ينحرف، ويكشف له مآل عمله في الدنيا والآخرة. ولهذا فإن فهم مفهوم الوحي في القرآن ليس مجرد مسألة عقدية، بل هو بحث في المرجعية التي توجه فعل الإنسان في الحياة. في المرجعية التي توجه فعل الإنسان في الحياة.
💬 التعليقات (1)
كما في رؤية دخوله للمسجد الحرام وقصة ما اسر لزوجه حيث انها تحتاج تفصيلا